ابن خلدون.. أديبا

كتبهامحمد الخطيب ، في 4 ديسمبر 2007 الساعة: 17:58 م

                  ابن خلدون بقلمه

"إني ولدت بتونس في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وربيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعت، وقرأت القرآن العظيم على الأستاذ أبي عبد الله محمد بن سعد بن نزال الأنصاري، أصله من جالية الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها، وكان إماما في القراءات لا يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه في القراءات السبع أبو العباس أحمد بن محمد بن البطوي، ومشيخته فيها، وأسانيده معروفة، وبعد أن استظهرت القرآن العظيم عن حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفرادا وجمعا في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى، ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جميعا بين الروايتين عنه، وعرضت عليه رحمه الله قصيدة الشاطبي اللامية في القراءات، والرائية في الرسم، وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي عبد الله البطوي وغيره من شيوخه، وعرضت عليه كتاب التفسير لأحاديث الموطأ لابن عبد البر، حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ، مقتصرا على الأحاديث فقط، ودرست عليه كتبا جمة مثل كتاب التسهيل لابن مالك، ومختصر ابن الخطيب في الفقه، ولم أكملها بالحفظ، وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي وعلى أستاذي(*) تونس ومنهم شيخ العلوم العقلية أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأيلي أصله من تلمسان، وبها نشأ، وقرأ كتب التعليم وحذق فيها، وأظله الحصار الكبير بتلمسان أعوام المائة السابعة، فخرج منها وحج ولقي أعلام المشرق يومئذ، ثم اختصه السلطان أبو الحسن ونظمه في جملة العلماء بمجلسه، وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية، ويبثها بين أهل المغرب حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصاره. وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه. ولما قدم على تونس في جملة السلطان أبي الحسن، لزمته، وأخذت عنه العلوم العقلية، والمنطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية، وكان رحمه الله تعالى يشهد لي بالتبريز في ذلك".

ولم أزل منذ نشأت وناهزت مكبا على تحصيل العلم، حريصا على اقتناء الفضائل، متنقلا بين دروس العلم وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله. ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الأيلي، وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين إلى أن شدوت بعض الشيء، واستدعاه السلطان أبو عنان فارتحل إليه، واستدعاني أبو محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس إلى كتابة العلامة عن السلطان أبي إسحق منذ نهض إليه من قسنطينة صاحبها أبو زيد حافد السلطان أبي يحيى في عساكره، ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك، فخرج ابن تافراكين وسلطانه أبو إسحق مع العرب أولاد أبي الليل، وبث العطاء في عسكره، وعمر له المراتب والوظائف، وتعلل عليه صاحب العالمة أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بالاستزادة من العطاء، فعزله وأدالني منه، فكتبت العلامة عن السلطان، وهي "الحمد لله والشكر لله" بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم. وخرجت معهم أول سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وقد كنت منطويا على الرحلة من إفريقية لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي وعطلاني عن طلب العلم. فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب، وانحسر تيارهم عن إفريقية، وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ، فاعتزمت على اللحاق بهم، وصدني عن ذلك أخي وكبيري محمد رحمه الله، فلما دعيت إلى هذه الوظيفة، سارعت إلى الإجابة لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب، وكان كذلك… فلما رجع إلى السلطان وفدت معهم فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه؛ إذ كنت شابا لم يطر شاربي. ثم انصرفت مع الوفود، ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية، فأقمت عنده حتى انصرم الشتاء أواخر أربع وخمسين وسبعمائة، وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه، وجرى ذكري عنده وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني ووصفوني له، فكتب إليّ الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه سنة خمس وخمسين وسبعمائة، ونظمني في أهل مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه، ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي. وعكفت على النظر والقراءة ولقاء المشيخة من أهل المغرب ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة، وحصلت من الإفادة منهم على البغية، ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب ملكه، ونزل بجبل الصفيحة من بلاد غمارة، وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبث دعوته سرا، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة والائتلاف، فحملت الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السعيد ابن أبي عنان، بالبلد الجديد. فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إلي كتاب السلطان أبي سالم بالحض على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى علي حمله، فنهضت به، وتقدمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا، وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار، فبادر إلى الإجابة، واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديد، فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبد(*) بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النزوع مبدأ حظه، وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان، فلما قدمت على السلطان بالصفيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثثته، فارتحل. ولقينا البشر بإجفال منصور بن سليمان، وفراره إلى نواحي بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا بالقصر الكبير، قبائل السلطان، وعساكره على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رحو بن ماساي، فتلقاه السلطان بالكرامة كما يجب له، واستوزره عوضا نائبا لحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غرّ به منصور بن سليمان إلى الأندلس، فاستوزره واستكفاه.

ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر، صعد إلى فاس، ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه، منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة واستعملني في كتابة سره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل بدون أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الأسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء المعاني منها على أكثر الناس، بخلاف غير المرسل. فانفردت به يومئذ، وكان مستغربا عند من هم من أهل هذه الصناعة.. ثم أخذت نفسي بالشعر، وانثال علي منه بحور، توسطت بين الإجادة والقصور، وسفرت عنه سنة خمس وستين وسبعمائة إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ، بطرة بن الهنشة بن أدفونش، لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة، بهدية فاخرة من ثياب الحرير والجياد والمقربات بمراكب الذهب الثقيلة، فلقيت الطاغية بإشبيلية وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أولية سلفنا بإشبيلية وأثنى علي عنده طبيبه إبراهيم بن زرور اليهودي المقدم في الطب والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان وقد استدعاه يستطبه، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع بعد مهلك رضوان بن القائم بدولتهم إلى الطاغية، فأقام عنده ونظمه في أطبائه. فلما قدمت أنا عليه أثنى علي عنده، فطلب الطاغية حينئذ المقام عنده، وأن يرد علي تراث سلفي بإشبيلية وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزودني وحملني واختصني ببغلة فارهة بمركب ثقيل ولجام ذهبيين، أهديتهما إلى السلطان فأقطعني قرية البيرة من أراضي السقي بمرج غرناطة وكتب لي بها منشورا، وأما أنا فكنت مقيما بفاس في ظل الدولة وعنايتها، منذ قدمت على الوزير سنة أربع وسبعين وسبعمائة كما مر، عاكفا على قراءة العلم وتدريسه، فلما جاء السلطان أبو العباس والأمير عبد الرحمن، وعسكروا بكدية العرائس، وخرج أهل الدولة إليهم من الفقهاء والكتاب والجند، وأذن للناس جميعا في مباكرة أبواب السلطانين من غير نكير في ذلك، فكنت أباكرهما معا، وكان الأخ يحيى لما رحل السلطان أبو حمو من تلمسان، رجع عنه من بلاد زغبة إلى السلطان عبد العزيز، فاستقر في خدمته، وبعده في خدمة ابنه السعيد المنصوب مكانه. ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد استأذن الأخ في اللحاق بتلمسان، فأذن له. وقدم على السلطان أبو حمو، فأعاده لكتابة سره كما كان أول أمره، وأذن لي أنا بعده. فانطلقت إلى الأندلس بقصد القرار والدعة… ولما كان ما قصصته من تنكر السلطان أبي العباس صاحب فاس والذهاب مع الأمير عبد الرحمن، ثم الرجوع عنه إلى ونزمار بن عريف طلبا للوسيلة في انصرافي إلى الأندلس بقصد الفرار والانقياض، والعكوف على قراءة العلم، فتم ذلك، ووقع الإسعاف به بعد الامتناع، وأجزت إلى الأندلس في ربيع سنة ست وسبعين وسبعمائة ولقيني السلطان بالكرامة وأحسن النزل على عادته. وكنت لقيت بجبل الفتح كاتب السلطان ابن الأحمر من بعد ابن الخطيب الفقيه أبا عبد الله بن زمرك، ذاهبا إلى فاس في غرض التهنئة، وأجاز إلى سبتة في أسطوله، وأوصيته بإجازة أهلي وولدي إلى غرناطة. فلما وصل إلى فاس وتحدث مع أهلي في إجازتهم، تنكروا لذلك، وساءهم استقراري بالأندلس، واتهموا أني ربما أحمل السلطان ابن الأحمر على الميل إلى الأمير عبد الرحمن الذي اتهموني بملابسته، ومنعوا أهلي من اللحاق بي.

وخاطبوا ابن الأحمر في أن يرجعني إليهم، فأبى من ذلك، فطلبوا منه أن يجيزني إلى عدوة تلمسان، وكان مسعود بن ماسي قد أذنوا له في اللحاق بالأندلس، فحملوه مشافهة السلطان بذلك، وأبدوا له أني كنت ساعيا في خلاص ابن الخطيب، وكانوا قد اعتقلوه لأول استيلائهم على البلد الجديد وظفرهم به. وبعث إليه ابن الخطيب مستصرخا به، ومتوسلا، فخاطبت في شأنه أهل الدولة، وعولت فيه منهم على ونزمار وابن ماسي، فلم تنجح تلك السعاية، وقتل ابن الخطيب بمحبسه. فلما قدم ابن ماسي على السلطان ابن الأحمر وقد أغروه بي فألقى إلى السلطان ما كان مني في شأن ابن الخطيب، فاستوحش من ذلك، وأسعفهم بإجازتي إلى العدوة، ونزلت بهنين والجو بيني وبين السلطان أبي حمو مظلم بما كان مني في إجلاب العرب عليه بالزاب كما مر. فأوعز بمقامي بهنين، ثم وفد عليه محمد بن عريف فعذله في شأني فبعث بي إلى تلمسان، واستقررت بها بالعباد، ولحق بي أهلي وولدي من فاس، وأقاموا معي وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين وسبعمائة. وأخذت في بث العلم، وعرض للسلطان أبي حمو رأي في الزواودة، وحاجة إلى استئلافهم، فاستدعاني وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض، فاستوحشت منه ونكرته على نفسي لما آثرته من التخلي والانقطاع، وأجبته إلى ذلك ظاهرا، وخرجت مسافرا من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء، فعدلت ذات اليمين إلى منداس، ولحقت بأحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول، فلقوني بالتحف والكرامة، وأقمت بينهم أياما حتى بعثوا عن أهلي وولدي بتلمسان، وأحسنوا العذر إلى السلطان عني في العجز عن قضاء خدمته، وأنزلوني بأهلي في قلعة أولاد سلامة من بلاد بني توجين التي صارت لهم بإقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة أعوام متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسألت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها…، وأكملت منها نسخة رفعتها إلى خزانته، وكان مما يغرون به السلطان قعودي على امتداحه، فإني كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك لكثرة امتداحه للملوك قبلك، وتنسمت ذلك عنهم من جهة بعض الصديق من بطانتهم، فلما رفعت له الكتاب وتوجته باسمه، أنشدت في ذلك اليوم هذه القصيدة أمتدحه، وأذكر سيره وفتوحاته، وأعتذر عن انتحال الشعر وأستعطفه بهدية الكتاب إليه.

ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، أجمع السلطان الحركة إلى الزاب بما كان صاحبه ابن مزني قد آوى ابن يملول إليه ومهد له في جواره، فخشيت أن يعود في شأني ما كان في السنة قبلها، وكان بالمرسى سفينة لتجار الإسكندرية قد شحنها التجار بأمتعتهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية، فتطارحت على السلطان وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ذلك، وخرجت إلى المرسى والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد وطلبة العلم، فودعتهم وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوضت عنهم بحيث كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرغت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، والله ولي الأمور سبحانه.

الرحلة إلى المشرق وولاية القضاء بمصر:

ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، أقمنا في البحر نحوا من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك، وتمهيده له، وأقمت بالإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، وتزهر الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، قد مثل بشاطئ النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيهم العلل والنهل سيحه، ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم، وما زلنا نتحدث بهذا البلد وبعد مداه في العمران واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم في الحديث عنه، سألت صاحبنا كبير الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري مقدمه من الحج سنة أربعين وسبعمائة فقلت له: كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام… فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين وسبعمائة، اختصني السلطان بهذه الولاية تأهيلا لمكاني وتنويها بذكري، وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلا إمضاءه وخلع علي بإيوانه، وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقمت بما دفع إلي من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما آمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الله لومة، ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة، مسويا بين الخصمين، آخذا بحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحا إلى التثبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطا بالفاجر، والطيب ملتبسا بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم، متجاوزون عما يظهر عليهم من هناتهم، لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنون بهم الخير، ويقسمون الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاء، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم..

فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم، وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب، يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، ولا ينتمون إلى شيخ معروف مشهود، ولا يعرف لهم كتاب في فن، اتخذوا الناس هزوا وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض ومثابة للحرم، فأرغمهم ذلك مني وملأهم حسدا، وحقدوا علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، ليشرون بها الجاه، ويجترءوا به على الله، وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم، يترخصون به الإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيت حكم الله فيمن أجازوه، فلم يغنوا عن الله شيئا، وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة، وانطلقوا يواطئون السفهاء من النيل في عرضي، وسوء الأحدوثة عني بمختلق الإفك وقول الزور، ويبثونه في الناس ويدسون إلى السلطان التظلم مني، فلا يصغي إليهم.

فكثر الشغب علي من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته، خشية من نكير السلطان وسخطه، فتوقفت بين الورد والصدر على صراط الرجاء واليأس، وعن قريب تداركني اللطف الرباني، وشملتني نعمة السلطان أيده الله في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت كما زعموا مصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول، وأنشطني من عقالها… وكنت استأذنت في التقدم إلى مصر بين يدي السلطان لزيارة بيت المقدس، فأذن لي في ذلك، ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد، وتبركت بزيارته والصلاة فيه… وقضيت من سنن الزيارة ونافلتها ما يجب، وانصرفت إلى مدفن الخليل عليه السلام، ومررت في طريقي إليه ببيت لحم، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد المسيح، شيدت القياصرة عليه بناء بسماطين من العمد الصخور، منجدة مصطفة، مرقوما على رؤوسها صور ملوك القياصرة، وتواريخ دولهم، ميسرة لمن يبتغي تحقيق نقلها بالتراجمة العارفين لأوضاعها، ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك القياصرة وضخامة دولتهم. ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزة، وارتحلت منها، فوافيت السلطان بظاهر مصر، ودخلت في ركابه أواخر شهر رمضان سنة اثنتين وثمانمائة…

…ورجعت قبائل المغل إلى تمر، وساروا تحت رايته، وذهب طقطمش في ناحية الشمال، وراء بلغار، متذمما بقبائل أروس من شعوب الترك في الجبال، وسارت عصائب الترك كلها تحت رايات تمر، ثم اضطرب ملوك الهند، واستصرخ خارج منهم بالأمير تمر، فسار إليهم في عساكر المغل، وملك دلي، وفر صاحبها إلى كنباية مرسى بحر الهند، وعاثوا في نواحي بلاد الهند، ثم بلغه هنالك مهلك الظاهر برقوق بمصر، فرجع إلى البلاد، ومر على العراق، ثم على أرمينته وأرزنكان، حتى وصل سيواس فخربها، وعاث في نواحيها، ورجع عنها أول ستة ثلاث من المائة التاسعة، ونازل قلعة الروم، فامتنعت، وتجاوزها إلى حلب، فقابله نائب الشام وعساكره في ساحتها، ففضهم، واقتحم المغل المدينة من كل ناحية، ووقع فيها من العيث والنهب والمصادرة واستباحة الحرم ما لم يعهد الناس مثله، ووصل الخبر إلى مصر، فتجهز السلطان فرج ابن الملك الظاهر إلى المدافعة عن الشام، وخرج في عساكره من الترك مسابقا المغل وملكهم تمر أن يصدهم عنها…

لقاء الأمير تمر سلطان المغل والططر:

لما وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر ملك بلاد الروم، وخرب سيواس، ورجع إلى الشام، جمع السلطان عساكره، ويئس الأمير تمر من مهاجمة البلد، فأقام بمرقب على قبة يلبغا يراقبنا ونراقبه، أكثر من شهر، تجاول العسكران في هذه الأيام مرات ثلاثا أو أربعا، فكانت حربهم سجالا. ثم نمي الخبر إلى السلطان وأكابر أمرائه أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم، واختلال الدولة… وجاءني القضاة والفقهاء، واجتمعت بمدرسة العادلية، واتفق رأيهم على طلب الأمان من الأمير تمر على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك نائب القلعة، فأبى عليهم ذلك ونكره، فلم يوافقوه. وخرج القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي ومعه شيخ الفقراء بزاوية فأجابهم إلى التأمين، وردهم باستدعاء الوجوه والقضاة، فخرجوا إليه متدلين من السور بما صبحهم من التقدمة، فأحسن لقاءهم وكتب لهم الرقاع بالأمان، وردهم على أحسن الآمال، واتفقوا معه على فتح المدينة من الغد، وتصرف الناس في المعاملات، ودخول أمير ينزل بمحل الإمارة منها، ويملك أمرهم بعز ولايته.

وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأله عني، وهل سافرت مع عساكر مصر أو أقمت بالمدينة، فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول، وبلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا علي أولا، ثم أصخوا لي، ودلوني من السور. فوجدت بطانته عند الباب، ونائبه الذي عينه للولاية على دمشق، واسمه شاه ملك، من بني جقطاي أهل عصابته، فحييتهم وحيوني، وفديت وفدوني، وقدم لي شاه ملك مركوبا، وبعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه، فلما وقفت بالباب خرج الإذن بإجلاسي في خيمة هنالك تجاور خيمة جلوسه، ثم زيد في التعريف باسمي أني القاضي المالكي المغربي، فاستدعاني، ودخلت عليه بخيمة جلوسه، متكئا على مرفقه، وصحاف الطعام تَمَرُّ بين يديه، يشير بها إلى عصب المغل جلوسا أمام خيمته، حلقا حلقا، فلما دخلت عليه فاتحت بالسلام، وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إلي فقبلتها، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت، ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم ما بيننا، وسألني من أين جئت من المغرب، ولم جئت…

وجاءه الخبر بفتح باب المدينة، وخروج القضاة وفاء بما زعموا من الطاعة التي بذل لهم فيها الأمان، فرفع من بين أيدينا، لما في ركبته من الداء، وحمل على فرسه فقبض شكائمه، واستوى في مركبه، وضربت الآلات حفافيه حتى ارتج لها الجو، وسار نحو دمشق، ونزل في تربة منجك عند باب الجابية، فجلس هناك، ودخل إليه القضاة وأعيان البلد، ودخلت في جملتهم، فأشار إليهم بالانصراف، وإلى شاه ملك نائبه أن يخلع عليهم في وظائفهم، وأشار إلي بالجلوس، فجلست بين يديه، ثم استدعى أمراء دولته القائمين على أمر البناء، فأحضروا عرفاء البنيان المهندسين، وتناظروا في إذهاب الماء الدائر بحفير القلعة، لعلهم يعثرون بالصناعة على منفذه، فتناظروا في مجلسه طويلا، ثم انصرفوا، وانصرفت إلى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك، فأذن فيه، وأقمت في كسر البيت، واشتغلت بما طلب مني في وصف بلاد المغرب، فكتبته في أيام قليلة، ورفعته إليه فأخذه من يدي، وأمر موقعه بترجمته إلى اللسان المغلي، ثم اشتد في حصار القلعة، ونصب عليها الآلات من المجانيق، والنفوط والعرادات، والنقب، فنصبوا لأيام قليلة ستين منجنيقا إلى ما يشاكلها من الآلات الأخرى، وضاق الحصار بأهل القلعة، وتهدم بناؤها من كل جهة، فطلبوا الأمان.

وكان بها جماعة من خدام السلطان ومخلفه، فأمنهم السلطان تمر، وحضروا عنده، وخرب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطير من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هنالك من الأموال والظفر والخيام، ثم أطلق أيدي النقابة على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسيها، وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخرثي، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه، فسال رصاصه، وتهدمت سقفه وحوائطه، وكان أمرا بلغ مبالغه في الشناعة والقبح، وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء…

وكتبت حينئذ كتابا إلى صاحب المغرب، عرفته بما دار بيني وبين سلطان الططر تمر، وكيف كانت واقعته معنا بالشام، وضمنت ذلك في فصل من الكتاب نصه:

وإن تفضلتم بالسؤال عن حال المملوك، فهي بخير والحمد لله، وكنت في العام الفارط توجهت صحبة الركاب السلطاني إلى الشام عندما زحف الططر إليه من بلاد الروم والعراق، مع ملكهم تمر، واستولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك، وخربها جميعا، وعاثت عساكره فيها بما لم يسمع أشنع منه، ونهض السلطان في عساكره لاستنقاذها، وسبق إلى دمشق، وأقام في مقابلته نحوا من شهر، ثم قفل راجعا إلى مصر، وتخلف الكثير من أمرائه وقضاته، وكنت من المخلفين. ..

…وهذا الملك تمر من زعماء الملوك وفراعنتهم، والناس ينسبونه إلى العلم، وآخرون إلى اعتقاد الرفض، لما يرون من تفضيله لأهل البيت، وآخرون إلى انتحال السحر، وليس من ذلك كله في شيء، إنما هو شديد الفطنة والذكاء، كثير البحث واللجاج بما يعلم وبما لا يعلم، عمره بين الستين والسبعين، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه على ما أخبرني، فيجرها في قريب المشي، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول المسافة، وهو مصنوع له، والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده.

من كتاب: التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا. لابن خلدون.



(*) أي أساتذة جمع أستاذ.

(*) أي المستبد بالحكم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر